أحمد بن علي القلقشندي
346
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولا لسان ، ولقد بلغني أن عبيد اللَّه بن سليمان ( 1 ) ذكرني بجميل فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها وأعرّض ببعض أموري ، فأتعبت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها ، وكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى غيره ، ولذلك قيل : زيادة المنطق على الأدب خدعة ، وزيادة الأدب على المنطق هجنة . فقد تبين لك أن العبرة وبالطبع وأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك ؛ على أن الطبع بمفرده لا ينهض بالمقصود من ذلك نهوضه مع اشتماله على الموادّ المساعدة له على ذلك من الأنواع السابقة فيما تقدّم في أوّل هذه المقالة ، من العلم باللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع ، وحفظ كتاب اللَّه تعالى ، والإكثار من حفظ الأحاديث النبوية ، والأمثال والشعر والخطب ، ورسائل المتقدّمين وأيام العرب وما يجري مجرى ذلك مما يكون مساعدا للطبع ، ومسهّلا طريق التأليف والنظم ، بل يتفاوت في العلوّ والهبوط بحسب التفاوت في ضعف المساعد من ذلك وقوّته ؛ إذ معرفته هذه الأمور قائمة من الإنشاء مقام المادة ، والطبع قائم منه مقام الآلة ، فلا يتم الفعل وإن قامت الصورة في نفس الصانع ما لم توحد المادّة والآلة جميعا ، ولو كان حصول المادّة كافيا في التوصل إلى حسن التأليف الذي هو نظم الألفاظ المتناسبة وتطبيقها على المعاني المساوية لكانت صناعة الكلام المؤلَّف من الرسائل والخطب والأشعار سهلة ، والمشاهد بخلاف ذلك ، لقصور الأفاضل عن بلوغ هذه الدرجة . وأما خلوّ الفكر عن المشوّش فإنه يرجع إلى أمرين : الأمر الأوّل صفاء الزمان فقد قال أبو تمام الطائيّ في وصيته لأبي عبادة البحتريّ مرشدا له للوقت
--> ( 1 ) وزير ، من أكابر الكتّاب ، استوزره المعتمد العباسي ، وأقرّه بعده المعتضد ، واستمر في وزارته إلى حين وفاته سنة 288 ه . ( الأعلام 4 / 194 ) .